ابن بسام

320

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي عبد اللّه محمد بن مسلم [ 1 ] : آية الزمن ، ونهاية الفطنة واللّسن ، نفث بالسحر ، واغترف من البحر ، ونظم الدراري بدلا [ 2 ] من الدرّ . ولم أظفر عند وضعي هذا الديوان ، بشيء مما له من الإحسان ، إلّا بفصول من رسائل ، سمّاها « طيّ المراحل » سبق في ميدانها عفوا ، وتصرّف بين حسنها وإحسانها تصرفا حلوا ، وقد اقتضبت من فصولها ما يشهد بتفضيلها ، وحذفت سائرها لطولها ، دللت بها على فضل منشيها ، دلالة الشمس على ما يليها . فصول له من تلك الرسائل خاطب بها أغلب صاحب ميورقة [ 3 ] فصل منها : إن أغببت على بعد الديار مكاتبتك ، وأقللت مع شحط المزار مخاطبتك ، فإني أخاطبك [ 4 ] بلسان وداد ، وأناجيك فؤادا / لفؤاد ، وإنما يتخاطب أهل بعد المكان ، ويتكاتب ذوو [ 5 ] النأي عن العيان ، وأنت في الضمير جائل ، فما تزيد الرسائل ؟ وبين الجفون ماثل ، فما تفيد الوسائل ؟ لكنّ العين لا تبرأ من الأرق ، حتى تطبق مستقرها على الحدق ، والنفس لا تهدأ من القلتى ، حتى تجمع شطريها إلى أفق ، فلهذا يجب على الصديق تأكيد العهد ، ولو بإهداء السلام ، إذا لم يستطع على الإلمام ، وتجديد الودّ بالكتاب ، إذا لم يطق المفاوضة على الخطاب ، لكن قد يأتي من عوائق الزمان ، وعوارض الحدثان ، ما يحول [ 116 أ ] بين المرء وقلبه ، حتى يسهو في مثوله للصلاة بين

--> [ 1 ] داني ترجم له ابن سعيد ، انظر : المغرب 2 : 405 ، والمسالك 8 : 342 ( 13 : 65 ) ، والفصول التي اختارها ابن بسام من رسائله تدل على أنه كان رسولا إلى بعض ملوك الطوائف عن إقبال الدولة بن مجاهد حين نازعه المقتدر أحد الحصون . [ 2 ] هذه قراءة المسالك ، وفي النسخ : الدرر بلآلاء . [ 3 ] د ط س : ابن أغلب صاحب ( ط : حاجب ) ميورقة ، ويذكر ابن خلدون أن مجاهدا وابنه عليا جعلا أغلب على ميورقة ، وكان أغلب مولى مجاهد ، وكان صاحب غزو وجهاد في البحر ، ثم تخلى عن ولايته أيام علي إقبال الدولة فولي الجزيرة سليمان بن مشكيان ثم بشر ابن سليمان الملقب ناصر الدولة ( ابن خلدون 4 : 164 - 165 ) ؛ وقد نقل ابن سعيد بعض هذه الرسالة في المغرب . [ 4 ] ط د س : أكاتبك . [ 5 ] ط د س : دون .